درويش الذي رمانا بأسئلته الكونية.. ومضى
في 9/8/2008 رحل الشاعر الكبير محمود درويش.. وبرحيله، خسر الشعب الفلسطيني »هوميروسه » الذي كتب ملحمة هذا الشعب. تشرده وبطولاته، انتصاراته وإخفاقاته، قتاله لعدوه واقتتاله. ولخص درويش في شعره مسيرة هذا الشعب، فكتب مديح الظل العالي ـ بيروت ـ أحد عشر كوكبا، وكله في فلسطين، فهي حاضرة في الديوان.
وقد حظي شعره بالقراءات النقدية المتعددة عربيا وعالميا. شعريا وسياسيا وجماليا وتقنيا. فقد وسع درويش في أفق القصيدة، وطرح أسئلة كونية مهمة، وسعى مسعاه الجمالي، مما جعل النص أو القصيدة جزءا من الكون »كزهر اللوز أو أبعد ».
لا تخلو قصائد درويش الأخيرة من ذلك النفس الرثائي المتفرد والمتميز. النفس الوجودي الملتزم بالإنسان. وربما حياته القلقة ميزته بقصائده الملتزمة إنسانيا بأفقها الواسع.
قصيدة درويش عالم روحي مفعم بالقيم والثقافة والحياة، إنها نتاج شاعر متمرس أمضى سنين حياته منشغلا ومهموما بها. وهي كالوطن. يبحث فيها درويش عن جوهر للهوية التي لم تكتمل. هي صهر للمعارف والفلسفات العربية والعالمية. وربما لهذه الأسباب أو غيرها، يجعل بعض النقاد من درويش شاعرا عربيا وكونيا »لا أعرف الرجل الغريب ـ لا تعتذر عما فعلت ».
والحق يقال: إن تجربة درويش يستحيل استنفادها لنواحيها ورحابتها. فهي تجربة متطورة ومتعددة، مرتبطة بمبدإ الحياة وربما قصائده الأخيرة وحتى ديوانه الأخير (قصيدة لم تكتمل بعد) يدل على مصداقية ما نحن بصدده »على هذه الأرض ما يستحق الحياة ».
باعتقادي، محور قصيدة درويش قائم على الذاكرة والتاريخ والجغرافيا، حتى قصائده في الموت مرتبطة بالذاكرة الفلسطينية الجماعية، وبالوجدان الفلسطيني، والتاريخ الفلسطيني. ومن خلال الذاكرة، خاطب البشرية جمعاء. وهو وإن لم يرد ذكر فلسطين في قصائده الأخيرة، فهي حاضرة: العائلة التي ورثته المرض، ضيق الشرايين، ضغط الدم.البروة، الناصرة، حيفا.
وقد ارتقى بقصائده إلى درجة ارتقاء الوطني بالكوني، وهذا لا يعني أننا نحصر إبداع الشاعر في شعره الأخير. فهو وباعتراف النقاد، من رواد شعر القصيدة العامودية والتفعيلة. فقد اختبر الأشكال الشعرية جميعها، التقليدية والحديثة والنثرية، »في حضرة الغياب »، »أثر الفراشة ». ومات وهو قلق على مستقبل هذه القصيدة. أما أنه لم يحظ بجائزة نوبل، فباعتقادي، أنه حظي بجائزة أعظم من نوبل، وهي جائزة خلود الشعر. فقد ترك إرثا بعمق البحر.
رحم الله محمود درويش
عن مجلة الحرية
21 janvier 2010
1.POESIE